الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
329
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
أصبت ثأرك ، وإن قتلت ذهب ملكك ، ولا تدرين لمن تكون العاقبة . فانصرفت عن هذا الرأي ، فأتت أمرها من وجوه الخدع والمكر ، فكتبت إلى جذيمة تدعوه إلى نفسها وملكها ، وأن يصل بلاده ببلادها ، وأنّها لم تجد ملك النساء إلّا إلى قبيح في السماع ، وضعف في السلطان ، وأنّها لم تجد لنفسها كفوا غيره ، فأقبل إليّ فاجمع ملكي إلى ملكك ، وصل بلادي ببلادك ، وتقلّد أمري مع أمرك . فلمّا انتهى كتابها إلى جذيمة استخفه ما دعته إليه ، ورغب في ما أطمعته فيه ، وجمع إليه أهل النهى من ثقاته ، وهو بالبقة من شاطى ء الفرات ، فعرض عليهم ما دعته إليه فصوبوا ذلك كلّهم إلّا قصيرا - وهو قصير بن سعد بن عمرو بن جذيمة بن قيس بن ربي بن نمارة بن لخم - وقال : « رأي فاتر وغدر حاضر » فذهبت مثلا . فنازعوه الرأي فقال : « إنّي لأرى أمرا ليس بالخسا ولا الزكا » فذهبت مثلا . وقال لجذيمة : اكتب إليها ، فإن كانت صادقة فلتقبل إليك ، وإلّا لم تمكنها من نفسك وقد قتلت أباها . فلم يوافق جذيمة رأي قصير ، فقال قصير : إنّي امرؤ لا يميل العجز ترويتي * إذا أتت دون شيء مرة الوزم فقال جذيمة : « ولكنك امرؤ رأيك في الكن لا في الضح » فذهبت مثلا . فدعا جذيمة ابن أخته عمرو بن عدي ، فاستشاره فشجعه على المسير ، وقال : إنّ نمارة قومي مع الزباء ، ولو قدروا لصاروا معك . فأطاعه وعصى قصيرا ، فقال قصير : « لا يطاع لقصير أمر » . فاستخلف على ملكه عمرو بن عدي ، وسار في وجوه من أصحابه ، فأخذ على الفرات من الجانب الغربي ، فلما نزل الفرضة دعا قصيرا ، فقال : ما الرأي قال : « ببقة تركت الرأي » فذهبت مثلا . واستقبلته رسل الزباء بالهدايا والألطاف ، فقال : يا قصير كيف ترى قال : « خطر يسير في خطب كبير » فذهبت مثلا . وقال له : ستلقاك الخيول ، فإن سارت أمامك فإن المرأة صادقة ، وإن أخذت جنبيك وأحاطت بك من خلفك